موقع جوابك التعليمي
0 تصويتات
في تصنيف عام بواسطة (251ألف نقاط)

كيف يكون تخليد الكافر في النار عدلاً!

الحمد لله وبعد فإن من الأسئلة التي وجدتها لدى بعض من تناوشتهم الشكوك، وتسلط عليهم أهل الإلحاد قولهم: كيف يكون عدلاً أن يُعَذَّب في النار خالداً مخلداً من عاش خمسين أو ستين سنة! هبه قضاها كلها ليلاً ونهاراً عاصياً! فهل من العدل أن تكون عقوبة جرم خمسين سنة خمسمائة سنة في العذاب؟!

وأحسب أن هذا أحد أسئلة الشكوكيين المخادعة، فهو لا يرقى لأن يكون شبهة للطاعنين في أصل الدين؛ لأنه مهما تكن النتيجة وكيف كان الجواب فإنه لا يقدح في أصل وجود الرب الخالق الرازق المالك المتصرف الآمر الناهي، ولا في أصل بعثة الرسل، ولا في أصل الشرائع. نعم هو شبهة في إضافة ما لا يليق إلى الرب سبحانه وتعالى، أو في نفي عقابه، وتأول أخبار وعيده.

[العدل من صفات الرب المستحِقِّ للعِبادَة]

وقبل جوابه لابد أن يعلم أننا نعتقد أنّ الرب سبحانه وتعالى قد أوجب العدل على نفسه، وحرَّم الظلم ونفاه عن نفسه عز شأنه، ونفى وقوعه منه في الدنيا ويوم القيامة، فالعدل من صفاته سبحانه، بل ذهب بعض أهل العلم إلى أن العدل من أسمائه عزّ وجل، وكما أوجب على نفسه جل جلاله العدل فضلاً منه –وكان قادراً على أن يفعل في ملكه ما يريد ولا يُسأل- وقد أمر بالعدل عباده، والنصوص من القرآن والسنة في هذا كثيرة، قال الله تعالى: (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) [الكهف: 49]، (الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) [غافر: 40]، (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (74) لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (75) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ) [الزخرف]، (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) [الأنبياء: 47]، وهذا في الآخرة، أما في الدنيا، فأحكامه كلها عدل، كما أن أخباره كلها صدق، كما قال تعالى: (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا) [الأنعام: 115]، وقد أخبر أنه أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بالعدل بين الناس، قال تعالى: (وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ) [الشورى: 15]، وقال: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ) [النحل: 90]، وعقوباته القدرية في الدنيا كذلك كما قال: (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ (100) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (101) وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) [هود]،  وفي الصحيح عن أبي ذر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما روى عن الله تبارك وتعالى أنه قال: «يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا، فلا تظالموا»[1]! وعن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لتؤدنَّ الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء»[2].

ولا يقول مسلم إن ربّه عز وجل الذي يعبده ظالم، بل قال من قال من المسلمين إن الظلم غير مقدور للرب أصلاً، لأنه ممتنع، وهذا قول ضعيف، بل هو مقدور له سبحانه غير واقع منه لكمال عدله وواسع فضله عز وجل.

وإذا تقرر هذا فالإشكال الذي يقع لبعض الناس منحصر في الجمع بين العدل وما يرونه من تشريعات، أو أقدار، أو أخبار عن مآل الناس يوم الجزاء والحساب.

وهذا الأخير هو موضوع هذه المقالة، وإن كان الباب في الجملة واحداً، فما ثبت من التشريع، أو القدر، كما ثبت من الجزاء يوم القيامة بالخبر، وإشكال المتشكك فيه عادة يرجع إلى تصوره للعدل، أو تصوره للشرع والواقع والخبر، ومتى صحح مفهوم العدل، وأحاط علماً بالتشريع المحكم وشروطه، أو القدر النازل وأسبابه، أو الجزاء الأخروي ومقتضياته، علم أن العدل لا يخالف التشريع المحكم، ولا القدر النازل، ولا الجزاء المتوعد.

وتفصيل هذا يخرج بالمقالة إلى موضوعات أخرى، والحديث هنا عن حكم الآخرة، ودعوى أن تخليد الكافر في النار ليست عدلاً، على سبيل الإجمال.

[إشكال العدل لا يوجب الإلحاد ولا يدعو العاقل إلى التفلُّت من التكليف]

أشرت إلى إن سؤال العدل المذكور لايوجب الكفر على فرض تسليمه! فإن الجرائم تتفاوت في التشريع الواحد، وعقوباتها كذلك تتفاوت، والتفاوت عند اختلاف التشريعات من بلد إلى آخر أعظم، بل قد يُعد جرماً في بلد ما هو سائغ في بلد آخر لا يعمل بذلك القانون أو النظام؛ فلباس البحر النسائي في كثير من الدول الكافرة مشروع على الشواطئ، ويعدونه مخلاً في غيرها من المواضع! وبعض الدول تمنعه مطلقاً. وشرب الخمر في بلد جريمة مطلقاً، وفي بلد آخر جريمة في الأماكن العامة، وفي ثالث جريمة عند ملابسات معينة كقيادة السيارة حال السكر، وهؤلاء البعداء لم يراعوا إلاّ مفسدة واحدة، والأولون راعوا كل مفسدة، والمذبذبون راعوا بعضاً وتركوا بعضاً. الولايات المتحدة تعاقب بالقتل –في كثير مِن ولاياتها- على الاتجار في بعض المخدرات، وتسمح ببعضها!

والمقصود أن ثمة نُظماً تقرر أن الفعل المعين جريمة تقتضي العقوبة، فمن أتى الجريمة دون أن يكرهه أحد عليها، فلا يلومنّ إلاّ نفسه، ولا يطالبنّ القضاء أن يخلي عنه أو يعاقبه وفقاً لمزاجه وما يراه عدلاً! فهذا ليس إليه وإنما هو إلى السلطة الشرعية أو الحاكمة، وليست العدالة التي في دماغه هي العادلة عند المشرّعين! وقد قيل قد أعذر من أنذر، ومن الحمق أن تخالف القانون لتلقي بنفسك بين يدي مؤاخذته، بحجة أن عقوبته ليست عادلة! وأنت المسيء إن سلطت على نفسك بخطيئتك من لا يرحمك لمصالح يراها، وقد أنذرك.

إن نسبية العدالة واقع يجب أن نتعامل معه وإن كنا نرى أن عدالة زيد ليست بعدالة في نظرنا، فإن كانت لنا قدرة على تغيير الأمر غيرناه، وإلاّ تعاملنا مع الواقع، فلم نلم الدولة على معاقبتها مجرماً –نقر بأنه مجرم لكن نختلف في تقدير عقوبته- وفق نظام قد أعلنته، وقد خالفه متعمداً. بل لو فرضنا أن دولة تمنع مباحاً فمن الحكمة أن ندعو الناس لالتزام المنع وعدم تجاوزه لئلا يعرضوا أنفسهم للعقوبة! إلى حين تغيير ذلك بما يمكن، أما التهور الأرعن بالدعوة إلى المخالفة والحال ما ذكر فخلاف مقتضى العقل، إذ هو تعريض للنفس إلى التلف أو العقوبة في سبيل ممنوع لا يسوى!

هذا في شؤون الدنيا وكذلك على فرض التسليم بأن عقوبة الآخرة على جريمة ما متجاوزة –تعالى الحق عن ذلك- فمقتضى العقل ألا تخالف! بل أن يزيدك ذلك ارتداعاً عن المخالفة! كما أن العقوبة المتجاوزة في أحد الأنظمة الأرضية لا تدعوك إلى المخالفة والإجرام ونبذ كل النظام أو القانون! فظهر بذلك أن إشكال العدل لا يوجب الإلحاد ولا يدعو العاقل إلى التفلت من التكليف.

أما في حق ربنا المتعال فهو منزه عن الجور، وما يتوهم جوراً مرده في الغالب إلى أحد أمرين:

الأول: أن يكون الخبر أو التشريع غير العادل متهم من حيث الثبوت.

الثاني: أن يكون الخبر أو التشريع ثابت لكن القول بأنه ليس بعدل هو الجور لاختلال في ميزان العدل.

[معيار عدالة العقاب]

وعوداً إلى أصل السؤال موضوع المقال إذا تدبرته وجدته مبنياً على تصور للعدل فيه إشكال؛ مقتضاه أن العدل تعذيب المجرم أو الكافر بعدد سنوات جرمه! أو نحو ذلك، وخلاف ذلك جور. وصاحب هذا التصور كان حرياً به أن يسأل نفسه! ما الذي جعل هذا التصور عدلاً؟!

وهل في عذاب الكافر إشكال على العدالة أو إن الإشكال في حقيقته يعود إلى معيار العدل عند المشكك أو المتسائل!

وهو كذلك فإن ما فرض معيار ظاهر الاختلال بأدنى تأمل! لا يجريه في أمور الدنيا عاقل ولا يعتبره هو فيها! بل لو أقيم في الدنيا لعده ظلماً!

كم من الوقت تستغرق الرصاصة من مسدس مجرم لتخترق رأس الضحية؟ ولنفترض أن الضحية قد بلغ من العمر عتيا!

فلماذا يقضون عليه بالسجن الطويل والأعمال الشاقة وربما القتل أو كما يعبرون: (الإعدام)!

وفقاً لمعاير المعترض على الدين لا يجوز سجنه أكثر من بضع ثوان!

هب أن أحدهم خطط لعملية عدوانية إرهابية! سنة ثم نفذها فقتل ألف نفس بريئة! فهل من العدل أن تساوى عقوبته بعقوبة من عاش مائة سنة في كل يوم يسرق رغيفاً يسود به جوعته وجوعة عياله؟! لو نظرنا إلى مدة الجرم كان الأحرى أن يحبس سارق الرغيف ويعاقب أكثر من الأول!

إن المعيار الصحيح هو أن تناسب العقوبة الجرم، بصرف النظر عن الوقت الذي استغرقه الجرم! وأن يتوقف عليها ردع من تسول له نفسه، وأيضاً يحصل بها الإصلاح للمعاقب أو التطهير.. وقد نظر الوضعيون إلى هذا الأخير، وكذلك إلى الأولين وإن كان نظر الشزر إليهما كثير! لهذا فإنهم قد يقلّصون مدة سجن المجرم الذي تظهر علامات صلاحه للعيش في المجتمع.

وقد ينظرون إلى بشاعة الجرم فيقضون بالسجن على التأبيد مع الأعمال الشاقة!

[مغفرة الله أعظم من مؤاخذته ورحمته سبقت غضبه]

والحكم العدل سبحانه وتعالى أخبرنا أن حقوق العباد توفى يوم القيامة، فيقتص للمظلوم من الظالم، وأما الجرائم المتعلقة بحقه جل جلاله فمن كرمه أن جعلها كلها داخلة تحت المشيئة؛ كلها قد يغفرها، قد يتجاوز عنها، وقد يعاقب عليها، فإن عاقب مسيئاً فذلك لأمد بقدر ما يتطهر، فيتأهل لدخول الجنة، إلاّ شأنا واحداً يأتي بيانه، أمّا ما دونه فلا يخلد به بل قد يغفره ويتجاوز عن حقه فيه.

إجابتك

اسمك الذي سيظهر (اختياري):
نحن نحرص على خصوصيتك: هذا العنوان البريدي لن يتم استخدامه لغير إرسال التنبيهات.
مرحبًا بك إلى جوابك، حيث يمكنك طرح الأسئلة وانتظار الإجابة عليها من قبل المختصين في المجال .. اجابة لجميع الاسئلة التعلمية في جميع المراحل التعليمية من قبل استاذة مختتصين

اسئلة متعلقة

0 تصويتات
0 إجابة
سُئل مارس 25 في تصنيف عام بواسطة mo7mad (251ألف نقاط)
0 تصويتات
0 إجابة
سُئل نوفمبر 29، 2020 في تصنيف عام بواسطة mo7mad (251ألف نقاط)
0 تصويتات
2 إجابة
0 تصويتات
0 إجابة
0 تصويتات
0 إجابة
0 تصويتات
0 إجابة
0 تصويتات
0 إجابة
سُئل سبتمبر 29، 2020 في تصنيف عام بواسطة emanhas26 (72.7ألف نقاط)
...